الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
125
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
منها في الدين ، فقد يظن الناس أن النهي عنها يلحقها بكبائر الإثم فلذلك حق الاستدراك ، وفائدة هذا الاستدراك عامة وخاصة : أما العامة فلكي لا يعامل المسلمون مرتكب شيء منها معاملة من يرتكب الكبائر ، وأما الخاصة فرحمة بالمسلمين الذين قد يرتكبونها فلا يقل ارتكابها من نشاط طاعة المسلم ، ولينصرف اهتمامه إلى تجنب الكبائر . فهذا الاستدراك بشارة لهم ، وليس المعنى أن اللّه رخص في إتيان اللمم . وقد أخطأ وضاح اليمن في قوله الناشئ عن سوء فهمه في كتاب اللّه وتطفله في غير صناعته : فما نوّلت حتى تضرعت عندها * وأنبأتها ما رخّص اللّه في اللّمم واللمم : الفعل الحرام الذي هو دون الكبائر والفواحش في تشديد التحريم ، وهو ما يندر ترك الناس له فيكتفى منهم بعدم الإكثار من ارتكابه . وهذا النوع يسميه علماء الشريعة الصغائر في مقابلة تسمية النوع الآخر بالكبائر . فمثلوا اللمم في الشهوات المحرمة بالقبلة والغمزة . سمي : اللمم ، وهو اسم مصدر ألمّ بالمكان إلماما إذا حلّ به ولم يطل المكث ، ومن أبيات الكتاب : قريشي منكم وهواي معكم * وإن كانت زيارتكم لماما وقد قيل إن هذه الآية نزلت في رجل يسمى نبهان التمّار كان له دكان يبيع فيه تمرا ( أي بالمدينة ) فجاءته امرأة تشتري تمرا فقال لها : إنّ داخل الدكان ما هو خير من هذا ، فلما دخلت راودها على نفسها فأبت فندم فأتى النبي صلى اللّه عليه وسلم وقال : « ما من شيء يصنعه الرجل إلا وقد فعلته ( أي غصبا عليها ) إلا الجماع » ، فنزلت هذه الآية ، أي فتكون هذه الآية مدنية ألحقت بسورة النجم المكية كما تقدم في أول السورة . والمعنى : أن اللّه تجاوز له لأجل توبته . ومن المفسرين من فسر اللّمم بالهمّ بالسيئة ولا يفعل فهو إلمام مجازي . وقوله : إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ تعليل لاستثناء اللمم من اجتنابهم كبائر الإثم والفواحش شرطا في ثبوت وصف الَّذِينَ أَحْسَنُوا لهم . وفي بناء الخبر على جعل المسند إليه رَبَّكَ دون الاسم العلم إشعار بأن سعة المغفرة رفق بعباده الصالحين شأن الرب مع مربوبه الحق . وفي إضافة ( رب ) إلى ضمير النبي صلى اللّه عليه وسلم دون ضمير الجماعة إيماء إلى أن هذه العناية بالمحسنين من أمته قد حصلت لهم ببركته .